قالت مجلة "نيو لاينز" إن افتتاح (قائد الانقلاب) عبدالفتاح السيسي للمجمع العسكري الجديد في العاصمة الإدارية (الأوكتاجون) مؤخرًا يؤكد ما ذهب إليه منتقدون منذ سنواتٍ من أن إنشاء هذه العاصمة في منطقة صحراوية ليس هدفه الحقيقي تطوير الكفاءة الإدارية، بل العزلة عن الشعب المصري.
واستشهدت بكلمته في حفل الافتتاح: "اسمحوا لي أن أشرح لكم سبب وجود القيادة الاستراتيجية للدولة هنا. لقد كان هناك يومٌ حاصرت فيه المحكمة الدستورية ومجلس الوزراء، وفي يومٍ هددوا وزارة الدفاع، وفي يومٍ حاصروا مدينة الإنتاج الإعلامي... كان من الضروري للدولة أن تنسحب من العاصمة حتى لا يتكرر هذا الأمر".
وأشارت إلى مظاهر البذخ والاستعراض العسكري التي رافقت افتتاح (الأوكتاجون)، وظهور السيسي بالزي العسكري للمرة الأولى منذ أكثر من عقد، فيما تساءل أحد المستخدمين على منصة "إكس"، قائلاً: "لم يخدم السيسي قط في القتال، لكنه يحمل وسام الشجاعة العسكرية، الذي يُمنح للشجاعة في المعارك. كيف ذلك؟"
اعتراف نادر للسيسي
ويرى الخبير الاقتصادي السياسي تيموثي كالداس، مدير معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط، أن "تصريحات السيسي بمثابة اعتراف نادر بالمنطق الكامن وراء المجمع الإداري نفسه".
وقال كالداس لمجلة "نيو لاينز": "إن العاصمة الإدارية الجديدة والمبنى المثمن، كما أوضح السيسي في خطابه، يهدفان إلى تخفيف الضغط الشعبي على النظام في حال حدوث اضطرابات أو احتجاجات مستقبلية. فالأمر يتعلق بأمن النظام في المقام الأول".
وقال الكاتب والناشط الاشتراكي المصري حسام الحملاوي، إن أحد الدروس الأساسية التي استخلصتها المؤسسة العسكرية من سقوط حسني مبارك هو أن نقطة ضعفها الأكبر لا تكمن في خصم أجنبي، بل في قدرة الحركات الجماهيرية على احتلال الفضاء العام، ومحاصرة مؤسسات الدولة، وممارسة الضغط على مراكز القوة. والمربع المثمن هو تجسيد عملي لهذا المنطق.
وتناول الحملاوي في كتابه الصادر حديثًا "الثورة المضادة في مصر: جمهورية السيسي الجديدة" كيف فكّك النظام ما بعد عام 2013 الظروف التي أدت إلى انتفاضة 2011.
أحداث عام 2011
واعتبر التقرير أن من أبرز جوانب حفل التنصيب كان التكرار الملحوظ لأحداث عام 2011. فبعد خمسة عشر عامًا من خروج المصريين إلى الشوارع مطالبين بالخبز والحرية والعدالة الاجتماعية، لا تزال الثورة عبرةً للدولة المصرية.
وعاد السيسي مرارًا في خطابه إلى أحداث يناير 2011، مصوّرًا إياها كمصدر للدمار الاقتصادي الذي لا تزال مصر تعاني من تبعاته. إلا أن منصة "ماتصدقش" دحضت هذه الادعاءات باستمرار، مشيرةً إلى أن البيانات الاقتصادية الرسمية لا تدعم تحميل الانتفاضة وحدها مسؤولية أزمة الديون الحالية في مصر.
وكان أحد الشعارات المميزة لانتفاضة 2011 هو أن "الشعب والجيش يد واحدة". فيما اعتبر التقرير أن (الأوكتاجون) يقلب هذا الشعار رأسًا على عقب: لم يعد يُتصور الجيش على أنه يقف إلى جانب الشعب، بل أصبح الآن متمركزاً في مجمع ضخم شديد التحصين في قلب مدينة جديدة مصممة حول المسافة المادية والسيطرة المكانية.
وبالنسبة للمتابعين، كان هذا المنطق واضحًا منذ سنوات. فمن أوائل قرارات السيسي عند توليه السلطة عام 2013، إصداره أوامر بتفريق اعتصامات أنصار محمد مرسي في رابعة بالقوة، ما أسفر عن مقتل أكثر من ألف شخص، في جريمة وصفتها منظمة "هيومن رايتس ووتش" بأنها ضد الإنسانية، وواحدة من أكبر عمليات قتل المتظاهرين في يوم واحد في التاريخ الحديث. وفي خطابه في نهاية الأسبوع، برر السيسي هذه الإجراءات بأنها احترازية وليست سياسية، قائلاً: "لن يتوقف الأشرار والإرهابيون، وعلينا اتخاذ الاحتياطات اللازمة".
تشكيل أوسع للمساحات الحضرية
وفي أعقاب حملة القمع عام 2013، لفت التقرير إلى إقدام الدولة المصرية على إعادة تشكيل أوسع للمساحات الحضرية، فبالإضافة إلى قوانين الاحتجاج الجديدة التي قيّدت التجمعات العامة بشدة، أُعيد تصميم ميدان التحرير وتأمينه. كما أدت الجسور والطرق السريعة الجديدة وتوسعة الطرق إلى تغيير ملامح أجزاء كبيرة من القاهرة. وقد جادل الباحثون ومخططو المدن منذ فترة طويلة بأن هذه التغييرات سهّلت على قوات الأمن التحرك في المدينة، بينما قلّصت في الوقت ذاته القدرة على إقامة التجمعات الجماهيرية وحواجز الطرق.
مع ذلك، يرى كالداس أن أهمية المشروع تتجاوز التصميم الحضري. فقد بُنيت العاصمة الإدارية الجديدة ومبنى الأوكتاجون بتكلفة مالية باهظة خلال فترة تراكم الديون وتدهور مستويات المعيشة. وتشير التقديرات الأولية إلى أن تكلفة العاصمة الجديدة بلغت حوالي 58 مليار دولار، على الرغم من أن الرقم النهائي لا يزال غير واضح. ونُفذ جزء كبير من أعمال البناء من خلال كيانات مرتبطة بالجيش، مما سمح للقوات المسلحة بتوسيع دورها الاقتصادي ونفوذها المؤسسي.
زقال كالداس: "من منظور الأمن المادي للنظام، سواء من حيث عزل القيادة عن عامة الشعب، أو بناء الموارد المالية والولاء اللازمين داخل الجيش، فإن كلا الأمرين يتعلقان بإعطاء الأولوية لأمن النظام على حساب مصالح مصر الأخرى". وأشار إلى أن تحقيق هذا العزل تطلب اقتراضًا هائلاً، ومشاريع بناء بقيادة الجيش، وتحويل الموارد من أولويات أخرى.
فصل الدولة عن المجتمع
وبحسب تحليل الحملاوي، كان توطيد السيسي للحكم بعد عام 2013 محاولة لإعادة تنظيم العلاقة بين القوات المسلحة وأجهزة المخابرات والشرطة ومؤسسات الدولة، بما يضمن بقاء النظام. وشهد الجيش توسعًا اقتصاديًا وسياسيًا، بينما تلاشت الحدود بين الإدارة المدنية والهياكل الأمنية بشكل متزايد. ويمثل مبنى الأوكتاجون التعبير المعماري عن هذا التحول الأوسع: دولة تتركز فيها القيادة والمراقبة وصنع القرار، وتُفصل فعليًا عن المجتمع الذي تحكمه.
لاحظت منظمات مثل منظمة "هيومينا" المدافعة عن حقوق الإنسان منذ فترة طويلة أن نقل الوزارات والهيئات الحكومية إلى منطقة محصنة محاطة ببوابات وبنية تحتية أمنية كان يهدف إلى خلق بيئة تجعل الاحتجاج أكثر صعوبة. وبالمثل، وصف باحثون مثل رواق عربي المشروع بأنه نقل للمؤسسات السياسية والعسكرية المصرية من المناطق المتنازع عليها في القاهرة إلى بيئة شديدة التحكم معزولة عن الديناميكيات الحضرية التي مكّنت انتفاضة 2011. وتؤكد تصريحات السيسي في نهاية هذا الأسبوع هذه التقييمات.
ويثير مشروع الأوكتاجون تساؤلاً آخر: هل يبدو تركيز القيادة العسكرية وأنظمة الاتصالات والبنية التحتية للبيانات والقيادة الاستراتيجية في موقع واحد أمرًا غير منطقي؟ سارع منتقدو النظام إلى استغلال هذا التناقض الظاهر. وكما علّق أحد مستخدمي منصة "إكس": "إنّ تركيز عدد كبير من مقرات القوات المسلحة في مكان واحد يعني أنها ستُدمّر بضربة إسرائيلية واحدة. لقد أهدر السيسي الأمن القومي بدافع أناني". يبدو المشروع منطقيًا كوسيلة للحماية، ليس من جيش أجنبي، بل من خطر الاضطرابات الداخلية.
واعتبر التقرير أن الأوكتاجون أكثر من مجرد مقر عسكري؛ أنه نصب تذكاري لمبدأ الحكم في الجمهورية الجديدة للسيسي، وهو مبدأ يضع أمن النظام في المقام الأول.
https://newlinesmag.com/spotlight/egypts-counterrevolution-erects-a-monument-to-its-own-survival/

